الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
284
تفسير روح البيان
ذات مؤنث ذي بمعنى الصاحب والاكل بضم الكاف وسكونه اسم لما يؤكل والخمط كل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن أكله والمعنى جنتين صاحبتي ثمر مرّ : وبالفارسية [ دو باغ خداوند ميوهاى تلخ ] فيكون الخمط نعتا للاكل وجاء في بعض القراءات بإضافة الاكل إلى الخمط على أن يكون الخمط كل شجر مر الثمر أو كل شجر له شوك أو هو الأراك على ما قاله البخاري والاكل ثمره قال في المختار الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم وَأَثْلٍ معطوف على أكل لا على خمط فان الأثل هو الطرفاء بالفارسية [ كز ] أو شجر يشبهه أعظم منه ولا ثمر له : قال الشيخ سعدى قدس سره اگر بد كنى چشم نيكى مدار * كه هركز نيارد كز انگور بار وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ وهو معطوف أيضا على أكل قال البيضاوي وصف السدر بالقلة لما ان جناه وهو النبق مما يطيب أكله ولذلك يغرس في البساتين انتهى فالسدر شجر النبق على ما في القاموس وقال المولى أبو السعود والصحيح ان السدر صنفان صنف يؤكل من ثمره وينتفع بورقه لغسل اليد وصنف له ثمرة عفصة لا تؤكل أصلا وهو البرى الذي يقال له الضال والمراد هاهنا هو الثاني فكان شجرهم من خير الشجر فصيره اللّه من شر الشجر بسبب أعمالهم القبيحة والحاصل ان اللّه تعالى أهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها غير المثمرة ذلِكَ إشارة إلى مصدر قوله تعالى جَزَيْناهُمْ فمحله النصب على أنه مصدر مؤكد له اى ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لاجزاء آخر أو إلى ما ذكر من التبديل فمحله النصب على أنه مفعول ثان له اى ذلك التبديل جزيناهم لا غيره بِما كَفَرُوا بسبب كفرانهم النعمة حيث نزعناها منهم ووضعنا مكانها ضدها أو بسبب كفرهم بالرسل وفي هذه الآية دليل على بعث الأنبياء بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فإنه روى أن الواقعة المذكورة كانت في الفترة التي بينهما وما قيل من أنه لم يكن بينهما نبي يعنى نبي به ذو كتاب كذا في بحر العلوم فلا يشكل قوله عليه السلام ( ليس بيني وبينه نبي ) اى رسول مبعوث بشريعة مستقلة بل كل من بعث كان مقررا لشريعة عيسى وقد سبق تحقيق هذا المبحث مرارا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ اى وما نجازى هذا الجزاء الا المبالغ في الكفران أو الكفر . فهل وان كان استفهاما فمعناه النفي ولذلك دخلت الا في قوله الا الكفور قال في القاموس هل كلمة استفهام وقد يكون بمعنى الجحد وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا والكفر في الدين أكثر والكفور فيهما جميعا وفي الآية إشارة إلى أن المؤمن الشاكر يربط بشكره النعم الصورية والمعنوية من الإيقان والتقوى والصدق والإخلاص والتوكل والأخلاق الحميدة وغير الشاكر يزيل بكفرانه هذه النعم فيجد بدلها الفقر والكفر والنفاق والشك والأوصاف الذميمة ألا ترى إلى حال بلعم فإنه لم يشكر يوما على نعمة الايمان والتوفيق فوقع فيما وقع من الكفر والعياذ باللّه تعالى . فلما غرس أهل الكفر في بستان القلب والروح الأشجار الخبيثة لم يجدوا الا الأثمار الخبيثة فما عوملوا الا بما استوجبوا وما حصدوا الا ما زرعوا وما وقعوا الا في الحفرة التي حفروا